العيني

234

عمدة القاري

ومع هذا الذي قاله الطحاوي وافقه عليه الماوردي وغيره من الشافعية . وقال هذا القائل أيضا : قيل : اتفقوا على أن الداخل والإمام في الصلاة تسقط عنه التحية . ولا شك أن الخطبة صلاة ، فتسقط عنه فيها أيضا ، وتعقب بأن الخطبة ليست صلاة من كل وجه ، والداخل في حال الخطبة مأمور بشغل البقعة بالصلاة قبل جلوسه ، بخلاف الداخل في حال الصلاة ، فإن إتيانه بالصلاة التي أقيمت تحصل المقصود . قلت : هذا القائل لم يدع أن الخطبة صلاة من كل وجه حتى يرد عليه ما ذكره من التعقيب ، بل قال : هي صلاة من حيث إن الصلاة قصرت لمكانها ، فمن حيث هذا الوجه يستوي الداخل والآتي ، ويؤيد هذا حديث أبي الزاهرية : ( عن عبد الله بن بشر ، قال : كنت جالسا إلى جنبه يوم الجمعة ، فقال : جاء رجل يتخطى رقاب الناس يوم الجمعة ، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : إجلس فقد آذيت وآنيت ) . ألا ترى أنه صلى الله عليه وسلم أمره بالجلوس ولم يأمره بالصلاة ؟ فهذا خلاف حديث سليك فافهم . وقال هذا القائل أيضا : قيل : اتفقوا على سقوط التحية عن الإمام مع كونه يجلس على المنبر ، مع أن له ابتداء الكلام في الخطبة دون المأموم ، فيكون ترك المأموم التحية بطريق الأولى ، وتعقب بأنه أيضا قياس في مقابلة النص فهو فاسد ؟ قلت : إنما يكون القياس في مقابلة النص فاسدا إذا كان ذلك النص سالما عن المعارض ، ولم يسلم سليك عن أمور ذكرناها ، وروي أيضا عن جماعة من الصحابة والتابعين ، رضي الله تعالى عنهم ، منع الصلاة للداخل والإمام يخطب . أما الصحابة فهم : عقبة بن عامر الجهني وثعلبة ابن أبي مالك القرظي وعبد الله بن صفوان بن أمية المكي وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس . أما أثر عقبة فأخرجه الطحاوي عنه أنه قال : الصلاة والإمام على المنبر معصية . فإن قلت : في إسناده عبد الله بن لهيعة وفيه مقال ! قلت : وثقه أحمد وكفى به ذلك . وأما أثر ثعلبة بن مالك فأخرجه الطحاوي أيضا بإسناد صحيح : أن جلوس الإمام على المنبر يقطع الصلاة ، وأخرج ابن أبي شيبة في ( مصنفه ) : حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن سعيد عن يزيد بن عبد الله عن ثعلبة بن أبي مالك القرظي قال : ( أدركت عمر وعثمان ، رضي الله تعالى عنهما ، فكان الإمام إذا خرج تركنا الصلاة ، فإذا تكلم تركنا الكلام ) . وأما أثر عبد الله بن صفوان فأخرجه الطحاوي أيضا بإسناد صحيح عن هشام بن عروة قال : ( رأيت عبد الله بن صفوان ابن أمية دخل المسجد يوم الجمعة ، وعبد الله بن الزبير يخطب على المنبر . وعليه ازار ورداء ونعلان وهو معتم بعمامة ، فاستلم الركن ثم قال : السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته ، ثم جلس ولم يركع . وأما أثر عبد الله بن عمر وعبد الله ابن عباس ، رضي الله تعالى عنهم ، فأخرجه الطحاوي أيضا ( عن عطاء قال : كان ابن عمر وابن عباس يكرهان الكلام والصلاة إذا خرج الإمام يوم الجمعة ) . وأما التابعون فهم : الشعبي والزهري وعلقمة وأبو قلابة ومجاهد . فأثر الشعبي عامر بن شراحيل أخرجه الطحاوي بإسناد صحيح عنه عن شريح أنه : إذا جاء وقد خرج الإمام لم يصل . وأثر الزهري محمد بن مسلم أخرجه الطحاوي أيضا بإسناد صحيح عنه في : الرجل يدخل المسجد يوم الجمعة والإمام يخطب ، قال : يجلس ولا يسبح . وأثر علقمة فأخرجه الطحاوي أيضا بإسناد صحيح عن القاضي بكار عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد عن شعبة عن منصور بن المعتمر عن إبراهيم قال لعلقمة : أتكلم والإمام يخطب وقد خرج الإمام ؟ قال : لا . . . إلى آخره . وأثر أبي قلابة عبد الله بن زيد الجرمي أخرجه الطحاوي أيضا بإسناد صحيح عنه أنه : جاء يوم الجمعة والإمام يخطب فجلس ولم يصل . وأثر مجاهد أخرجه الطحاوي أيضا بإسناد صحيح عنه : كره أن يصلي والإمام يخطب . وأخرجه ابن أبي شيبة أيضا . فهؤلاء السادات من الصحابة والتابعين الكبار لم يعمل أحد منهم بما في حديث سليك ، ولو علموا أنه يعمل به لما تركوه ، فحينئذ بطل اعتراض هذا المعترض . فإن قلت : روى الجماعة من حديث أبي قتادة السلمي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ( إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس ) ، فهذا عام يتناول كل داخل في المسجد ، سواء كان يوم الجمعة والإمام يخطب أو غيره . قلت : هذا على من دخل المسجد في حال تحل فيها الصلاة لا مطلقا ، ألاَ يرى أن من دخل المسجد عند طلوع الشمس وعند غروبها ، أو عند قيامها في كبد السماء ، لا يصلي في هذه الأوقات للنهي الوارد فيه ؟ فكذلك لا يصلي والإمام يخطب يوم الجمعة ، لورود وجوب الإنصات فيه . والصلاة حينئذ مما يخل بالانصات . وقال أيضا : قيل : لا نسلم